من الوثائق السرّية وزير خارجية فرنسي يكشف اسرار الحرب السورية الغرب تآمر لتنحية الأسد منذ فترة طويلة.

08 05:35:44 كانون الثاني 2019 بتوقيت بيروت - شاهده 48
من الوثائق السرّية وزير خارجية فرنسي يكشف اسرار الحرب السورية   الغرب تآمر لتنحية الأسد منذ فترة طويلة.

بقلم: سامي كليب


 يستحق وزير خارجية فرنسا السابق رولان دوما وصفّ المسؤول الاوروبي الأكثر جرأة في كشف خبايا المؤامرة الدولية ضد سوريا. فهو يروي القصة الخطيرة التالية التي حصلت معه في تشرين الاول من العام ٢٠٠٠ أي قبل ١١ عاما من اندلاع شرارة الحرب السورية.  يقول:" كنت أقوم برحلة عمل الى لندن، حيث أن أحد موكلي (لأن دوما محامي أيضا) كان يواجه خلافا تجاريا يتعلق ببيع معدات لسكك حديدية مع شركة جزائرية. وفي اليوم التالي، وعلى غير عادته، دعاني موكلي الى فطور صباحي مع شركائه البريطانيين للحديث في السياسة. وأثناء المحادثة معهم حول الشاي والكعك ولحمة البايكون، قال لي ان ثمة تحضيرا يجري لشيء ما في سوريا؟ فوجئت وسألته عن ماهية ذاك الشيء، فقال لي بوضوح ان الأمر يتعلق بالإطاحة ببشار الأسد واستبداله بجنرال متقاعد من الجيش السوري. ونريد أن نعرف منك أولا: ما هي احتمالات ردة الفعل الفرنسية، وثانيا هل انت مستعد للمشاركة في هذا المشروع من قريب أو بعيد؟  فأجبته باني لا أريد ابدا المشاركة في انقلاب واعتقد ان ذلك سيكون خطأ كبيرا، ثم عدت الى باريس ولم آخذ الكلام على محمل الجد، ونسيت الأمر حتى بداية الصراع السوري الذي تم التحضير له من قبل الغربيين، وهذا يؤكد ان الانقلاب كان مُعدا منذ فترة أطول بكثير من تلك التي يراد ان نصدقها " . 

يقول دوما أيضا ان الصراع السوري وغيره من الصراعات الإقليمية، هي النتيجة المنطقية لتلك العبارة الشهيرة التي أطلقها جورج بوش الابن حين قال :" سوف ننشر الديمقراطية في كل الدول العربية" وكأنها ملائكية السياسة ، مضيفا :" ان الحروب الأهلية في أوكرانيا وسوريا والعراق وليبيا، يجمعها رابط واحد ، هي أنها جميعه قد جرى الاعداد لها من قبل الغرب" 

لم يكن رولان دوما وزيرا عاديا في فرنسا، بل يُعتبر أكثر وزراء الخارجية الاوروبيين حنكة وثقافة ودهاء. وقد أثار ضده مرارا إسرائيل والجالية اليهودية في فرنسا بسبب تقاربه مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ثم بسبب وساطته مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد الذي يبدو من خلال كتابه أنه قد أعجب به كثيرا. فهو يصفه بأنه " رجل دولة حقيقي" وبانه " بيسمارك".  ويروي ان الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران قال لجورج بوش في العام ١٩٩١ : " ان المسالة بسيطة بالنسبة لحافظ الأسد ذلك انه يعتبر ان لبنان وإسرائيل ( فلسطين)  هما سوريا وان يسوع المسيح كان سوريا" . ويكشف دوما ان ميتران وحين عاد من زيارته الاولى الى سوريا : قال لي ان الأسد هو ملك يجب الاعتماد عليه بالنسبة لخريطة الشرق الأوسط" . 

يروي الوزير الفرنسي السابق في كتابه المهم جدا   Politiquement incorrect كيف حمل في احدى المرات مشروعا للمفاوضات بين إسرائيل وسوريا كان كلّفه به الرئيس  الإسرائيلي السابق شيمون بيريز ويتضمن ٥ نقاط ، ويقول ان الأسد كان قابلا بمبدأ التفاوض لكنه أراد إستعادة كل الأراضي وقد  سألني :" هل أن  اسحق رابين موافق على ما يقوله بيريز" ذلك ان الرئيس السوري كان وفق الوزير الفرنسي يعرف عن ظهر قلب كل تفاصيل الوضع الداخلي في إسرائيل وكذلك كل خفايا الشرق الأوسط والسياسة الدولية. 

ويشرح دوما كيف أن الذي أوصله الى حافظ الأسد كانت السيدة ناهد عجة ابنة وزير الدفاع السوري السابق العماد مصطفى طلاس، ولا يخفي علاقته بهذه السيدة " الجميلة والذكية والمثقفة " واعجابه ببيتها وغرفة نومها ولقاءاتهما عند مسبح البيت، لكنه يحرص على القول انها كانت " صديقة" .  ويروي ان الرئيس فرانسوا ميتران أعجب أيضا بها وغازلها وكذلك الرئيس الأميركي السابق جورج بوش أبد لميتران اعجابه بها.  ويبدو ان العلاقة بين دوما وناهد والتي ضجت بها وسائل اعلام كثيرة سابقا دون معرفة ما اذا كانت علاقة غرامية فعلية او صداقة، قد بدأت حين كانت السيدة عجة ستفقد لوحاتها الثمينة وتحفا كثيرة في منزلها الفرنسي بسبب خلاف مع ورثة زوجها تاجر السلاح الثري السعودي أكرم عجة ، فتدخل رولان دوما ونصح محاميها بأن يتم تعيينها مستشارة في السفارة السورية في باريس وهكذا حصلت على الحصانة وتوقفت الملاحقة.   

كان دوما قد شرح في كتابه السابق " لكمات وجروح" كيف ان اللوبي الصهيوني صار ذا شأن كبير في فرنسا،  وقال : «إن الإسرائيليين يفعلون ما يشاؤون في فرنسا، ويحرِّكون الاستخبارات الفرنسية (DST) كيفما يحلو لهم وهم يخطئون في عدم التفاوض مع بشار الأسد، حتى لو أنه يرفض التوقيع على اتفاق بأي ثمن. وأنا أقمت علاقات مميزة معه كتلك التي أقمتها مع والده. وبشار رجل ساحر يمتلك فكراً أكثر انفتاحاً من والده... ذهنه متقد ولا يرفض المسائل المحرجة». ويروي أن الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز هو الذي نصحه بزيارة دمشق ولقاء الرئيس حافظ الأسد للمرة الأولى عام 1992، ذلك لأن بيريز «كان يدرك أن الأميركيين يبحثون عن وسيلة للتفاهم مع دمشق، فارتأى أن تجني فرنسا أيضاً مصلحة في ذلك من خلال اندماجها في مسيرة السلام في الشرق الأوسط. وافق الأسد على الفكرة لكنه تمنَّى أن يكون اللقاء ثنائياً فقط بوجود مترجم واحد ومن دون حضور وزير خارجيته»
يروي دوما أن الحديث الأول مع الأسد غرق مطولاً بالشأن اللبناني. يقول: «شرح لي الأسد لمدة ساعتين نظريته القائلة بأن لبنان هو أرض سورية وأن المشاكل جاءت من البريطانيين والفرنسيين الذين رسموا تقسيماً مجحفاً (سايكس - بيكو)، لكنني شعرت بأن الأسد يريد إثارتي ولن يذهب إلى حد إعادة التشكيك في الحدود الموروثة من عهد الاستعمار» .
بشجاعة لافتة، يجاهر هذا الوزير الفرنسي العريق بالقول: «إنني لا أوافق على السياسة الإسرائيلية، وأنا كنت وفياً بذلك لمبدأ التوازن الذي أسس له الجنرال شارل ديغول في الشرق الأوسط. يحق للشعوب العربية أيضاً الاحترام. وأن السياسة الإسرائيلية الحالية المستوحاة من الناشطين المقربين من الصهاينة لا تسير في الطريق الصحيح». وينتقد بشدة قرار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إدخال فرنسا في القيادة الموحدة لحلف شمال الأطلسي. يقول:  «إن ساركوزي ارتكب خطأ كبيراً بالنسبة إلى الموقع التقليدي لبلادنا الذي رسمه ديغول»
 

لا شك أن فرنسا لو سمعت رأي دوما، ولو لم تغلب عندها المصالح وصفقات وعقود الاسلحة والطائرات وغيرها على المبادئ في خلال السنوات العشر الماضية، لكان موقفها حيال سوريا ولكن أيضا الشرق الأوسط أفضل بكثير.  ففرنسا التي يشرح دوما كيف يتعامل معها الأميركيون باستعلاء ما اضطره للرد بقسوة على احدى رسائل وزارة الخارجية الاميركية، تكاد تفقد كل دورها في الشرق الاوسط بسبب تخبط سياستها منذ آخر الولاية الثانية للرئيس جاك شيراك، وبسبب الجنوح أكثر خلف أميركا والتعاطف السياسي مع إسرائيل رغم انها لا تزال افضل من غيرها في رفض الاستيطان ورفض نقل السفارات الغربية الى القدس ورفض الخطط الإسرائيلية الأحادية. .. على الأقل في التصريحات.  

  ان هذه الكتب القيمة لرولان دوما تضاف الى كتب شريفة أخرى ظهرت في الغرب (وكنت قد نشرت الكثير منها في السفير والاخبار وعلى صفحتي وفي كتابي الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج) ، لتؤكد أن ما جرى في سوريا ليس مسألة ديمقراطية وحريات، ولا رغبة بإيصال المعارضة الى السلطة، وانما تدمير الدولة واطاحة الأسد وإقامة نظام يقبل بصفقة القرن ويقطع علاقاته مع ايران وحزب الله والمقاومة الفلسطينية.  فالمطالب المشروعة للناس شيء والخطط الكبيرة شيء آخر. وحين تحضر الخطط الكبيرة تُرمى المعارضات على قارعات الطرق كمادة فقدت صلاحيتها. 

المشكلة اننا في الوطن العربي قلّما نترجم كتبا قيمة كهذا، واذا ترجمناها نسرق حقوقها... فحين يزداد الوعي تشتد حصانة الشعوب والدول ونعرف حقيقة ما جرى وما يمكن ان يجري.