بالمنطق لا بالرغبات

25 02:22:16 كانون الأول 2018 بتوقيت بيروت - شاهده 27
بالمنطق لا بالرغبات

سامي كليب: 
              لن يخوض دونالد ترامب حروبا عن أحد. ولن يقوم بمبادرة دبلوماسية واحدة اذا لم تجلب المال لبلاده. ليس عنده حليف وعدو سوى ما يفيد مشروعه الجديد في الحكم. هو ليس غبيا ولا ساذجا، انما نتاج لفكرة جديدة في الحكم في أميركا خرجت من عباءة المؤسسات التقليدية السياسية والأمنية والإعلامية وتحلم بإعادة بعث الحلم الأميركي خصوصا للعرق الأبيض الجرماني.
            المشكلة ليست في ترامب وإنما في كثير من المعلقين والسياسيين العرب والغربيين وغيرهم المُصرِّين على تحليل خطوات الرئيس الأميركي من منطلقاتهم السابقة مع الإدارات الأميركية المتعاقبة. هذا رئيس جديد بمفهوم جديد وباستراتيجية جديدة يهمه رفع مستوى الحياة عند الأميركيين والقطع مع السياسات الأميركية المتشابهة منذ عقود طويلة. 
          وجد ترامب أمامه رئيسا روسيا صلبا يعتبر أن سوريا قلعته المتقدمة في الشرق الأوسط أمنيا وسياسيا واقتصاديا، ووجد أن معطيات الحرب السورية تغيرت بمجملها لصالح الرئيس بشار الأسد وحلفائه، ووجد أن الدعم الأميركي للكرد صار عديم الفائدة خصوصا أن مصالح أميركا تفترض استعادة الحليف التركي وارضاءه. فقرر ببساطة التراجع والتخلي عن حلفائه،  ولم يكن بالصدفة مثلا أن القرار بالانسحاب الأميركي من سوريا قد تزامن مع صفقة باتريوت أميركية مع انقرة. 

        فما هي الدروس المستفادة من قرار ترامب الانسحاب من سوريا؟ 

• أولا ان الرجل لا يريد حروبا مجانية ولا يريد ان يخسر جنيدا واحدا ولا فلسا واحدا في حرب لن تخدمه بشيء . 
• ثانيا ان ثمة استحالة لسيطرة الكرد على أكثر من ٣٥ بالمئة من الأراضي السورية يشكل العرب فيها أكثر من ٩٠ بالمئة وتضم نحو نصف الموارد الزراعية والنفطية الاستراتيجية بالنسبة لدمشق. 
• ثالثا ان مصالح الدول الكبرى أهم من الطموحات والاحلام الكبيرة  لمكوّنات هذا الشرق، فالكرد جيدون حين يخدمون المصالح العليا لأميركا، ثم فجأة يصبحون عالّة وعبئا حين تصبح العلاقة الأميركية مع تركيا أهم منهم. 
• رابعا ان منطق القوة يفرض نفسه في عالم اليوم، فما كان للأميركي أن يتراجع لو أن الأسد وروسيا وايران وحزب الله وحلفاؤهم ( الحزب السوري القومي الاجتماعي مثلا والذي غالبا ما ينساه الجميع ) قد خسروا الحرب. 
• خامسا ان إمكانية التفاهم الأميركي لاحقا مع سوريا ممكنة جدا، لا بل وأيضا مع إيران. المصالح في علاقات الدول أهم من أي شيء آخر. (انظروا الى ارتفاع منسوب العلاقات الروسية السعودية مثلا الآن).
• سادسا كما تخلّى الغرب عن المعارضة السورية وتركها على قارعات الطرق، ها هو يتخلى أيضا عن الكرد الذين فقدوا فرصة كبيرة سابقا بالتفاهم العضوي مع روسيا. 

ماذا بعد ؟ 
                 لم نسمع منذ فترة تبادل اتهامات كبيرة بين دمشق وانقرة. على العكس تماما، فكل كلام تركي عن غزوة جديدة يترافق مع ٣ أمور: أولها ان الهدف هو القضاء على داعش والإرهاب وعلى " ارهابيي" حزب العمال الكردستاني (وهو التعريف التركي للمقاتلين الكرد في سوريا أيضا)، وثانيهما أن تركيا تريد الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وثالثها، أنها مستعدة للعمل مع الرئيس الأسد إذا ما اعيد انتخابه (رغم محاولات تجميل هذا التصريح لاحقا دون نفيه من قبل وزير الخارجية التركي امام البرلمان). 

                 دمشق التي اعتبرت دائما ان الدخول التركي الى أراضيها هو احتلال، تعوّل كثيرا على حليفيها الروسي والإيراني لإقناع التركي لاحقا بالانسحاب بعد الاطمئنان على ان الكرد لن يشكلوا عقبة. ربما هناك اتصالات تركية سورية أمنية مباشرة او عبر الحلفاء.  لا بل ربما هناك تفاهمات جدية أيضا، فهذا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يقول صراحة:" ان وجود العسكريين الأتراك في هذا الجزء من سوريا تم بالتوافق مع الحكومة السورية التي رحبت بمذكرة سوتشي، كما تم دعمها من قبل الجانب الضامن الثالث في مفاوضات أستانا، ايران

             ثم لو تقاتلت تركيا مع ما بقي من تنظيمات إرهابية، أو لو تقاتلت مع الكرد فهذا يجب أن يصب في صالح دمشق، بحيث يوفّر عليها حربا جديدا مع أشرس وآخر الإرهابيين في ادلب وضواحيها، ثم يُقنع الكرد بنصيحة وزير الخارجية وليد المعلم حين قال ان عليهم التعلم من دروس من تعامل مع الأميركيين، ثم عاد ليفتح لهم مؤخرا طريق الحوار مع الدولة مؤكدا ان لا تراجع عن تحرير كل الأراضي السورية. 

           لا شك أن الحذر لا يزال كبيرا عند دمشق وعند روسيا  من كل ما هو تركي واميركي، ولذلك فان موسكو عبّرت بلسان سيد دبلوماسيتها عن أن " حل مشكلة الوجود الأميركي في سوريا لن يكون سهلا وأن واشنطن تطرح باستمرار شروطا جديدة تنتهك سيادة واستقلال ووحدة وسلامة أراضي سوريا... 

          أعتقد شخصيا أن تركيا بحاجة لتنسيق أعمق مع سوريا وروسيا وايران في المرحلة المقبلة مهما استعادت التنسيق مع أميركا كي لا تنزلق الى فخ القتال المباشر مع تنظيمات إرهابية كثيرة تعرفها تماما ومر الكثير منها عبر أراضيها سابقا، لكنها تريد ثمنا سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وهو ما يجري التفاوض بشأنه الآن وما قد يُعرض اية تفاهمات الى نكسات جديدة...
 أما الكرد فما عاد عندهم سبيل سوى التفاهم مع الدولة السورية أو القبول بأن يصبحوا كأهل ذمة ملاحقين في المناطق التي تدعمها تركيا ولو لفترة.... وجل ما تفعله واشنطن وأوروبا حاليا حول تأجيل الاجتياح التركي على أمل اقناع الكرد بالتخلي عن سلاحهم. مرة جديدة تسقط أحلامهم الكبيرة على مذبح المصالح الكبيرة. 
أما الحرب السورية فهي حتما في طريقها الى  الانتهاء... وسوريا لا تستحق الا الفرح والسلام بعد ثماني سنوات من أشرس حرب كونية  فيها وعليها. انتظروا قريبا مفاجآت عربية حيال دمشق.