قطع رؤوس الهيدرا: الإمكانية أم الإستحالة؟

03 10:34:55 كانون الثاني 2021 بتوقيت بيروت - شاهده 184
قطع رؤوس الهيدرا: الإمكانية أم الإستحالة؟

علي شقير

صدر في نهاية عام ٢٠٠٧ عن مركز دراسات الأمن القومي في تل أبيب كتاب تحت عنوان "هل يمكن قطع رؤوس الهيدرا؟_معركة إضعاف حزب الله" للكاتب الإسرائيلي داني بروكوفيتش، ويأتي هذا الكتاب عقب تيقن العدو الإسرائيلي بعد حرب تموز عام 2006 أنه لا يستطيع هزيمة حزب الله عسكرياً، لذلك يجب العمل على إضعافه ومن ثم يلجأ إلى استخدام القوة العسكرية. وتتم هذه العملية عبر إضعاف مصادر قوة حزب الله والتي تتمثل بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، والجمهورية العربية السورية، والبيئة الشيعية والتي تشكل الحاضنة لحزب الله ومصدر مشروعيته في الداخل اللبناني والخارج، بالإضافة إلى مؤسساته الإجتماعية والتي تشكل في بعض الأحيان بديلاً عن الدولة كجهاد البناء والهيئة الصحية وغيرها الكثير. وقد تضمن الكتاب العديد من الإستراتيجيات التي يمكن للعدو إستخدامها لإضعاف المقاومة، ومنها:

 تغيير السياسة السورية (لما تمثله سوريا من عضو فعّال في محور المقاومة، وطريق عبور لأسلحة المقاومة) تجاه حزب الله عبر إسقاط النظام السوري الحالي والإتيان بنظام سلفي متشدد يكرس فيه العداء لحزب الله ويشعل الصراع السني الشيعي في المنطقة، أو عبر إعتماد إستراتيجية الرافعات بمعنى توجيه ضربات لسوريا، لدفعها لممارسة الضغط على حزب الله وبالتالي توتير العلاقة بين المقاومة وسوريا، ولاحقاً مع كل دول محور المقاومة.

كذلك أشار الكاتب أنه يجب عزل حزب الله عن باقي المكونات اللبنانية وإضعاف العلاقة بين الحزب والطائفة الشيعية عبر إضعاف حزب الله إقتصادياً، وبالتالي عدم قدرته على تغطية منظومته الإجتماعية. وقد شهد العقد الأخير منذ عام ٢٠١١ هذه المحاولات والتي بدأت بالمؤامرة الكونية على سوريا، وصولاً إلى الحركات المطلبية عام ٢٠١٥ و ٢٠١٩ في لبنان، وتوجيهها ضد سلاح المقاومة وحلفائها. لكن هذه المحاولات لم تحقق مبتغاها، فالنظام السوري صمد طوال تسع سنوات، وتوطدت علاقته أكثر مع حزب الله وإيران، بل وانتقلت سوريا بشكل كامل إلى المعسكر الشرقي وخاصةً  نحو روسيا، مما أزعج الغرب واضطرهم لفرض العقوبات (قيصر) على الشعب السوري. كذلك لم تحقق الإحتجاجات المطلبية  هدفها، فمكانة حزب الله في الساحة الشيعية لازلت مكانها، والجمهور الشيعي مازل ملتفّاً حول المقاومة وسلاحها.

 

إنتصار حرب تموز أفشل مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي كان يعد للمنطقة (السيد حسن نصر الله)

 

على المقلب الآخر، يعاني الكيان الصهيوني اليوم من أزمات وجودية قد تشعل الحرب الأهلية داخله. فالعدو الإسرائيلي يعاني في المرتبة الأولى من أزمة إقتصادية وصفها البعض بأكبر أزمة إقتصادية يواجهها الإسرائيليون. وقد نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت في الأسابيع الماضية تقريراً يوضح عمق الفجوة الإقتصادية داخل الكيان، وبحسب الإحصاءات يقدر عدد العائلات التي تعاني من ضائقة إقتصادية 38.6%، حيث إرتفعت هذه النسبة بالمقارنة مع 24.1% قبل الأزمة. كما ذكرت الصحيفة (يديعوت أحرونوت) في تقريرها أن نسبة العائلات تحت خط الفقر ارتفع من خمس المجتمع قبل الأزمة (20.1%) إلى ما يقارب الثلث الآن (29.3%)، مما أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى وانخفضت إلى حوالي الثلث على الأقل في السُلّم الإقتصادي. ومما زاد حدّة الأزمة الإقتصادية إنتشار وباء كورونا الذي زاد نسبة البطالة في المجتمع الإسرائيلي، وتشير الصحيفة إلى أن 422 ألف هو عدد العائلات التي وقعت في أزمة إقتصادية من جرّاء كورونا.

يضاف إلى ذلك الإنقسام الحاد داخل المجتمع الإسرائيلي بين العلمانيين والمتدينين (الحريديم) وبين السفارديم والأشكناز، وزيادة وتيرة الهجرة العكسية من الكيان الصهيوني إلى البلدان التي جاؤوا منها، فالسفارديم (اليهود من أصل شرقي وعربي) والذين داست عليهم الصهيونية منذ مجيئهم إلى الأرض المحتلة حتى اليوم، واعتبروهم مواطنين من الدرجة الثانية، استغلوا التطبيع مع الدول العربية، وباتوا يعودون إلى العواصم العربية من بوابة التطبيع. أما الأشكناز (اليهود من أصل غربي وخاصة من ألمانيا والنمسا وفرنسا) وبفعل الأزمة الإقتصادية والخطر الأمني الذي يحيط بهم وخاصةً من الشمال، هم الآخرون تغمرهم الفرحة عندما يسافرون إلى أوروبا حيث يعتبرونها وطنهم الأصلي.

 

إحتجاجات بالآلاف في الكيان منذ أشهر نتيجة الوضع الإقتصادي الخانق

 

أما في الشق السياسي، فالمجتمع الإسرائيلي يشهد أكبر أزمة سياسية في تاريخ الكيان، وخاصةً بعد حل الكنيست قبل أيام وذهابهم إلى إنتخابات مبكرة هي الرابعة في أقل من عامين. أي أن السلطة والمجتمع  الإسرائيلي غير قادرين على إنتاج سلطة موحدة تستطيع أن تلبي طموحات شعبها، وأن تكمل ولايتها، مما يؤكد حدّة الإنقسام في المجتمع الإسرائيلي، وغياب النخب السياسية القادرة على قيادة الكيان. ولم تعد الأزمة السياسية محصورة بقطبي الليكود (بنيامين نتانياهو) وأزرق أبيض (بيني غانتس) فقط، فبعد إنشقاق القيادي في حزب الليكود جدعون ساعر وإنشاءه حزب "تكفا حداشا" الجديد، ولحاق العديد من الليكودين به أبرزهم زئيف إلكين وزير التعليم العالي في حكومة نتنياهو، فضلاً عن إعلان زعيم حزب يمينا نفتلي بنيت ترشحه لرئاسة الحكومة، أصبح المشهد السياسي لدى الإسرائيلين معقداً للغاية. وتشير إستطلاعات الرأي الأخيرة إلى تراجع كبير في شعبية نتنياهو نتيجة قضاياه المتعلقة بالفساد وسوء الإدارة، والإحتجاجات امام مكان إقامته في القدس والتي إمتدت منذ أشهر وتقدر بمئات الآلاف من المتظاهرين. وقد أشار إستطلاع لإذاعة "fm 103"أن حزب الليكود سيحصل على 25 مقعد، أما حزب ساعر "الأمل الجديد" فسيحصل على 22 مقعد ، فيما سيحصل حزب "يمينا" بقيادة بينيت على 15 مقعد، وحزب "يش عتيد_تيلم" بقيادة يائير لبيد على 15 مقعد، أما حزب غانتس "كحول لافان" فبعد الإنشقاقات التي حصلت داخل الحزب وأبرزها غابي أشكينازي الرجل الثاني في الحزب، فقد أشار الإستطلاع أنه سيحصل على 6 مقاعد مما يعني شبه إختفاءه. وهذه التقديرات تشير إلى تقارب النسب بين الكتل، مما سيزيد الأمور تعقيداً.

 

الكنيست إلى إنتخابات رابعة بعد سقوط إئتلاف نتنياهو-غانتس

 

كل هذه الأزمات تجعل بروكوفيتش وغيره من الباحثين الإسرائيلين يعيدون النظر في آلية محاربة حزب الله، خاصةً أن معهد درسات الأمن القومي (المعهد الذي نشر كتاب بروكوفيتش) نشر في مطلع الشهر الماضي دراسة جديدة تتحدث عن الحرب المقبلة في الشمال والتي ستكون قاسية ومدمرة، وأهم ما جاء في هذه الدراسة أن الحرب لن تكون مع حزب الله وحده، بل ستكون ضد محور المقاومة كله، وعلى جميع المعنيين أن يستعدوا لهذه الحرب قبل فوات الأوان. هذه الحرب التي يُتوقع أن تُحدث دماراً كبيراً في الجبهة الداخلية، تتضمن ضرب أهداف إستراتيجية في الداخل، فيما المنظومة الدفاعية لجيش الإحتلال غير جاهزة، مما قد يمس ويعرقل قدرة عمل جيش العدو في الرد الهجومي، وفي تجنيد قوات الإحتياط.

كذلك نشر لواء الإحتياط في جيش الإحتلال "إسحاق بريك" مقال قبل عدة أيام يحذر فيه من القدرة الصاروخية التي يملكها محور المقاومة وتقدر بأكثر من 200 ألف صاروخ يفرضون طوقاً خانقاً على الكيان(بمعدل 3000 صاروخ يومياً، والتي لا يملك العدو قدرة إيقافها). هذه الصواريخ  ستكون موجهة على بنى تحتية أمنية ومدنية حيوية (مثل منشآت كهربائية ومائية، ومنشآت الوقود والغاز، ومنشآت الإتصالات والمواصلات). كذلك أعرب بريك عن خشيته من الصواريخ الدقيقة التي يمتلكها حزب الله، خاصةً بعد إعلان أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله عن إنجاز مشروع الصواريخ الدقيقة. ودعا اللواء بريك صنّاع القرار على المستوى السياسي والعسكري الغوص في الأمر عميقاً، وإتخاذ قرارات فورية تنقذ الكيان من هذا التهديد الوجودي.

 

عدد الصواريخى الدقيقة أصبح ضعفي ما كان عليه قبل سنة (السيد حسن نصر الله)

 

لكن الهاجس الإسرائيلي من سلاح المقاومة ليس باستخدام الصواريخ الدقيقة فقط، بل يخشى العدو الإسرائيلي من القدرات التي كسبها حزب الله طوال تسع سنوات "الحرب السورية" في حرب العصابات، فالخبرات التي كسبها الحزب من هذه الحرب والتي واجه بها المسلحين في سوريا، وواجه بها الجيش التركي (أحد أقوى جيوش الناتو) في سراقب، تشكل تهديداً مباشر على المستوطنات في الشمال، وتؤكد قول سماحة السيد أن الحزب قادر على السيطرة على الجليل. ناهيك عن توازن الرعب الذي فرضه الحزب على العدو، وجعله يقف «على إجر ونص» منذ ستة أشهر.

أمام كل هذه التهديدات الوجودية، هل ما زال صنّاع القرار في المجتمع الإسرائيلي مقتنعين أنه يمكن قطع رؤوس الهيدرا؟