الحكومة بين الخيار الصعب والأسوأ

10 08:09:51 كانون الأول 2019 بتوقيت بيروت - شاهده 258
الحكومة بين الخيار الصعب والأسوأ

الدكتور نادر عجمي

أشار بعض الخبراء بأنه لا يمكن الإستمرار في رهن لبنان للإرادة الغربية وبالتحديد للإرادة الأمريكية التي تتدخل في كل التفاصيل السيادية والداخلية من استخراج الغاز إلى تحديد الحدود البحرية والبرية وقبول الهبات إلى التعيينات، ولائحة الأمثلة تطول كثيرا في إنتهاك السيادة اللبنانية على كافة المستويات حتى وصلت إلى حد التحريض والإنقلاب على الإرادة الشعبية التي عبر عنها الشعب في الانتخابات الأخيرة في العام ٢٠١٨.
ويرى بعض الخبراء أن في هذا الإنقلاب فرصة لتوجه لبنان نحو الشرق او على الأقل وضع حد  للإبتزاز الأمريكي وفتح أفق اخر لإخراج لبنان من هذا التدخل الصلف. 
لكن السؤال كيف؟ في ظل ارتباط عضوي متداخل عمره عشرات السنوات مع المنظومة الإقتصادية الأمريكية؟ الأمر صعب لكنه ليس بالمستحيل.
                                                                
خيار الشرق
فبعد أن أصبح لبنان في قلب صراع التوازنات العالمية نتيجة مجموعة من العوامل أهمها قوة مقاومته التي تهدد الوجود الإسرائيلي وليس أخرها الغاز في بحره بكميات واعدة والمعطيات التي تشير إلى وجود مكامن له في البر أيضا، وضعت لبنان مجددا عل جدول أعمال الولايات المتحدة فعملت وحلفائها على عرقلة التنمية في لبنان من خلال شل عمل المؤسسات الدستورية والمؤسسات العامة ، والحياة السياسية والإقتصادية والمالية والعلمية  لإظهار أن لبنان بلدا منقسما على ذاته ومعطلا تسوده الفوضى والتظاهرات والإعتصامات والعصيان في مظهر يريده الأمريكي لتحقيق مشروعه الإنقلابي.

بات على اللبنانين أن يقرروا ماذا يريدون ؟ هل يبقوا تحت قبضة الأمريكي أو أن يبحثوا عن البديل؟ . يعتقد مجموعة من المراقبين أن أمام لبنان فرصة للخروج من هذه الأزمة وانه سيخرج اقوى مما كان عليه إذا أحسن الإختيار ما بين الخيار  الصعب المحفوف بالمخاطر والخيار الأسوأ !! فما هو الصعب وما هو الأسوأ؟..

**روسيا شرط و مظلة أمان **
علينا إجراء " محاكاة" لكل الإحتمالات وفق الوقائع والمعطيات وعناصر القوة والضعف.
الخيار الأسوأ وبإختصار هو" التسليم " لا امكانية، لا مجال ، مفتاح الحل غير متوفر ، وعندها سيكون مصير البلد البقاء في هذا السجن الأمريكي والبقاء كوطن ودولة ومواطنين مسلوبين الإرادة الوطنية. 
الخيار الصعب ينطلق من قاعدة أن استقلال البلدان عادة أزرته دول معادية او منافسة للدولة المحتلة وإن الكثير من الحراك صنعته امريكا ودعمته وهو حراك غربي فلماذا لا نقوم بحراك شرقي ؟؟

إذا الكلام مع الروسي أصبح واجبا ،هل حصل ذلك اليوم؟ وما المطلوب منه؟ 
                                              حكومة سياسية غيرحزبية
إذا الكلام مع الروسي أصبح واجبا ويجب الحصول على جواب واضح وصريح منه إن كنتم تريدون مقارعة الأمريكي ومساعدتنا تفضلوا واعطونا دعمكم وغطائكم فلدينا ( أي تحالف ٨ آذار الشرعية والمشروعية) مجموعة من نقاط القوة : أكثرية شعبية ، أغلبية نيابية ، رئاسة البرلمان ، رئاسة الجمهورية، وخطوط مفتوحة على عدد من الدول الإقليمية فما الضير من تسمية شخصية سنية( كفوءة غير استفزازية ولديه القدرة على الثبات والصمود) ، تشكيل حكومة من ١٨ او ٢٤ وزير تراعي الميثاقية تتشكل من شخصيات ذات اختصاص غير حزبية (سياسية غير حزبية ) مع شخصيات من الحراك المستقل ، وشخصيات ذات اختصاص مستقلة ، تعلن بيان وزاري إصلاحي تنال الثقة بموجبه وفي إجتماعها الأول تكلف القوى الأمنية بضبط الأمن ومنع إقفال الطرقات، وتطلق يد القضاء بتكليف واضح وصريح وغطاء سياسي شامل للقيام بخطوات إجرائية ضد السارقين منها مصادرة أملاك واستعادة أموال. وتكليف حاكم مصرف لبنان القيام بخطوات تحمي العملة الوطنية والطلب منه وقف فوري لفوائد خدمة الدين العام العائدة للمصارف، وإدخال المليارين من الدولارات (تم الأتفاق عليها في الورقة الإصلاحية) إلى الخزينة العامة كمساهمة من هذا القطاع في حل الأزمة. ومن يتمرد على قرارات الحكومة تتم إقالته وتعيين بديلا عنه وفق الأليات المتبعة. ومن ثم الإنفتاح المباشر على السوري والعراقي والروسي والصيني اقتصاديا والمباشرة بمشاريع تبادلية واقتصادية وإنمائية.

لكن ما هي الصعوبات التي ستواجه هذا الخيار؟

الأزمةالأقتصاديةقديمةومستداة
صحيح  أنه أمام هذا السيناريو الكثير من الصخب قد يصل الى العنف لكن يجب وضع كل الإحتمالات ودراستها ووضع أجوبة واضحة عليها ومنها هل سيفرض حصار على لبنان؟وهل ستنهار الليرة؟ هل يشن الأمريكي حربا على لبنان ؟ هل يفعلها الإسرائيلي في ظل أزمته الحكومية والوجودية؟ هل يتم مصادرة الذهب اللبناني الموجود في أمريكا؟وهل نقع تحت وطأة صندوق النقد الدولي؟

يرى الخبراء إلى أن الأزمة الاقتصادية في ظل او في  غياب الحكومة قائمة والى تأزم أكثر  ولا حلول سريعة وفي حال توفر الغطاء الروسي سنكون على درجة متوسطة من الأمان السياسي  فلا قرار لمجلس الأمن ولا حلف دولي ضد لبنان ، وهناك تفاوت في الأداء بخصوص الأزمة بين الأمريكي والأوروبي، والكل يؤكد على الحرص على عدم الأنهيار الأمني والأقتصادي،  وان الليرة والاقتصاد سيكون أمامهم مطبات أنزلاقية قاسية جدا لكنها لن تدوم أكثر من سنة،  ففي ظل الانفتاح على الأسواق الجديدة وسياسات اقتصادية جديدة ستحدث سدا اوليا أمام أختفاء بعض المواد و السلع وتأمين البدائل من دول الجوار فنحن لسنا محاصرين ووضعنا في الجغرافية السياسية والإقتصادية افضل بكثير من فنزويلا فمما الخوف؟  هل من الفتنة السنية _الشيعية  فمن نجح في تخطي الزلزال الذي ضرب لبنان عام ٢٠٠٥ لم يصعب عليه تخطي الأزمة الحالية. 

مقاومة أكثر فقر أقل
التجارب تقول أن أمريكا فاوضت الأقوياء ولم تفاوض الضعفاء يوما بل تركتهم ، وانه لا مناص أمام امريكا إلا أن يفاوضوا هذه الحكومة.

صحيح أن بعض القيادات السياسية اصبحت تدرك تماما أن الرهان مجددا على شخصيات مجربة لم يعد يجدي نفعا للبلد، لكنها تجنب البلد خيار " حكومة العهد" وتعطي الفرص وتمنح الوقت للاخرين لأسباب تتعلق بإحترام تمثيلهم النيابي ولتحميلهم مسؤولية ما قدموه للبلد منذ العام ١٩٩٢ ، وحرصا منها  على التوافق والمشاركة وحماية الناس والبلد من مآسي معيشية واقتصادية وهي سياسة حكيمة، لكن في حال كان الطرف الآخر في الوطن لا يريد المشاركة إلا بشروطه ؟ ويريد تحقيق رغبة الأمريكي عندها يبدو ان الفراق لتحقيق المصلحة الوطنية يصبح واردا.

فبين السيء والصعب عادة تختار الأمم المصاعب لكي تخرج اقوى وأكثر حرية وسيادية . إنها "الحرب الإقتصادية "  فخيار  " مقاومة أكثر فقر اقل"  يستحق التأمل والدراسة و المحاكاة من قبل  المسؤولين والجديين والحريصين ليضعوا لبنان امام مسار جديد يكون عنوانه "لبنان الجديد " ، لبنان الإقتصاد الإنتاجي، لبنان المنفتح على الشرق من بوابته الواسعة ، ولبنان الحر في ممارسة حياته السياسة والدستورية دون أي تبعية عمياء لا تحقق إلا مصلحة المتبوع.